نخبة من الأكاديميين

463

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الاستجابة الصحيحة والصحية للتحديات المطروحة في طريقها ، فتتجه بصيرورتها الطبيعية ، وهي على هذي الحال من التِيْه والزوغان ، إلى الهدف الخطأ ، وتتخلخل في نخبها معايير قياس الأولويات " فقه " والخيارات الصحيحة ، وتتقطع دونها سبل الخلاص . فإذا مشروع وجودها ، مشروعها الحضاري ، في مكان ، وأمته ( هي ) في مكان آخر . وتلك أمنية أعدائها والمتربصين بها من جهة ، وحرْفٌ تخريبي عن خط تفاعلات حراكها الداخلي وعن دورها من جهة أخرى ، فإذا هي لا تنجب في الكثير من الأحيان إلا الخيارات المعطلة لما يحييها ولا تأمن إرادتها من الاختراق والكسر والهيمنة ، ولا أرضها من الاحتلال والغزو ، ولا ثرواتها من السلب والنهب والاستغنام . فأية حالة احتقان عام ، إن لم تكن مضبوطة في مسار دقيق وعلى ساعة أهداف واضحة وقيادة حكيمة تعي كيف توظفه وتسير به إلى ما رسم له ، هي حالة مرشحة للانفلات العشوائي والفوضى والانحراف عن أهدافها والتسبب بأفدح الضرر بالمصالح الجمعية العليا ، وبما خرجت الأمة لأجله . ولا نرى العالم الإسلامي في السنين الأخيرة إلَّا دائراً في فلك محتقن من داخل ومن خارج ، لكننا لسنا مطمئنين قط إلى أن منافذ هذا الاحتقان وتعرجاته المضطربة موصلة كلها إلى خير الجادة وسواء السبيل . والاحتقان المتصاعد بين العالم الإسلامي وبين العالم الغربي ، إن استمر مستوى الجهل أو التجاهل فيه على هذا المنسوب المرتفع في الوعي وفي الذاكرة والعقول والأنفس والبنى الثقافية ، وهو مستمر في التفاقم منذ عقود ، فالعلاقات لن تميل بينهما إلى السويّة . ألا نتذكر القول المدرسي المشهور : " من يزرع الريح يحصد العاصفة " ، وهو قول ينطبق على مقدمات وأسباب وطبيعة وجدلية الاحتقان ومضمونه ونتائجه في الاتجاهين المتعاكسين ؟ ! . وإذا كان لا بد من الإقرار بأن الجهل الساذج والتبسيطي بكتلة الغرب وكيانيته المعقدة من قبل عامة المسلمين قد أسهم في توليد هذا الكم من الاحتقان ضد الغرب بعامة ، فلا بد بالمقابل من الاعتراف بأن ما بذله المسلمون من جهد في سبيل تجاوز هذا الجهل ومعالجة أسبابه في عُقولهم وأنفسهم سياساتهم المتناقضة ، لم يكن في مستوى التحديات التي يطرحها الغرب أمامهم ، أو يساجلهم فيها ، أو يفرضها عليهم . وفي هذا المجال كان ثمة جهدان كبيران لازمين وضروريين ، جهدٌ يتجه إلى تصحيح صورة الغرب في داخل بيئات العالم الإسلامي بحيث يُقدَّم الغرب ويعرف على حقيقته ، بماله وبما عليه ، وبما هو تاريخ وليس بما هو « بعد التاريخ » كما يجزم فرانسيس فوكوياما - وبما هو مشروع حضاري أيضاً نتفق معه في مشتركات وجوامع ما أكثرها ! ، ونختلف معه في مبادئ وقضايا وقيم ما أكثرها ، وكم جَنَت صورة الآخر الشوهاء من عذابات وجرت من كراهية وتنابذ ( مجانيين أحياناً ) في الجهتين ! . هذا الترشيد في الجهد الأول المنوه به والمتوجه إلى الداخل الإسلامي والعربي ، لا نراه إلا في مصلحة المسلمين والعَرَب أنفسهم أولًا ، ولمصلحة قضاياهم ومشروعهم الحضاري ، قبل أن ينيب الغرب منه مصلحياً حبة من خردل .